سجْن الشيخ "الوهابي" تقي الدين الهلالي بعد صدامه مع بعض الأعيان والأهالي شفشاون

أضيف في 14 غشت 2020 الساعة 39 : 16

سجْن الشيخ "الوهابي" تقي الدين الهلالي بعد صدامه مع بعض الأعيان والأهالي شفشاون

 

 

 

لعل بداية سنة 1947 التي عاشها الشيخ محمد تقي الدين الهلالي السجلماسي بمدينة شفشاون قادما من تطاون هي التي شهدت أول مواجهة فكرية علنية بين التيار السلفي "الوهابي"، تمييزا عن السلفية المغربية التي حمل لواءها الشيخ أبي شعيب الدكالي، والتوجه العقدي والفقهي السائد بالمملكة المغربية الشريفة المنبني على العقيدة الأشعرية وفقه الإمام مالك وتصوف جنيد السالك.


ازداد الشيخ الهلالي حوالي سنة 1311 (وفاق 1892ميلادية) جنوب المملكة المغربية، تحديدا بمنطقة وادي سجلماسة حيث نشأ واستهل مشواره العلمي وتمذهب على الطريقة التيجانية قبل أن يتخلى عنها ويؤلف ناصحا مريديها كتابه "الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية".


غادر الشيخ الهلالي المغرب في أواسط العشرينيات من القرن الميلادي الماضي نحو الشرق العربي طلبا للدراسة والتحصيل ونسج صداقات مهمة مع أبرز الشخصيات المشرقية منهم الملك عبد العزيز مؤسس دولة المملكة العربية السعودية الذي استضافه بضعة أشهر بتوصية مدونة من الشيخ المصري رشيد رضا فتم تعيينه مراقبا للتدريس في المسجد النبوي ثم انتقل إلى المعهد العلمي السعودي بمكة المكرمة.


بتزكية من شكيب أرسلان سافر إلى ألمانيا حيث قدم رسالة الدكتورة بجامعة برلين سنة 1940م واتصل بالزعيم هتلر الذي سمح له بإنشاء إذاعة عربية موجهة إلى العرب بلغتهم تعاطفا من ألمانيا مع دول المستعمرات الفرنسية والانجليزية في سياق عداوة الحرب العالمية الثانية.


أثناء الحرب العالمية الثانية حث الزعيم الفلسطيني المفتي الأمين الحسيني الدكتور الهلالي إلى العودة إلى المغرب فاستقر سنة 1942م مدرسا بالمعهد الحر بمدينة تطاون بعدما أخذ بيده الأستاذ عبد الخالق الطريس ومده بمساعدته.


إبّان مقامه بتطاون استفحل بالشيخ الهلالي مرض الربو نصحه على إثره الأطباء بقضاء فترة نقاهته في جو جاف نقي بعيد عن الرطوبة وتأثيراتها.


توجه تقي الدين الهلالي إلى مدينة الأمير مولاي علي بن موسى بن راشد شفشاون في بداية خريف سنة 1946م وشهرته كشهرة علم في رأسه نار وقصد بها فندق ElParador  لكنه فوجئ برفض مدير الفندق إقامته به بدعوى مرضه المعدي بعدما لاحظ كثرة سعاله ودوام لهاثه وبصقه فخشي من تقزز النزلاء.


قد يكون السبب الحقيقي وراء رفض مدير الفندق مكوث الهلالي به هو إخلاله بالتزاماته لسلطات الحماية الإسبانية بالمنطقة الخليفية بعدم تعاونه مع الوطنيين المغاربة والتضييق عليه فيعود إلى تطاون حيث تسهل مراقبته والتجسس على بريده الذي عج في تلك المرحلة بالمراسلات مع زعيم جماعة الإخوان بمصر حسن البنّا

 
ما أن علم أحد وطنيي شفشاون الشريف أحمد بن الأمين الريسوني بوضعية الشيخ الهلالي إلا و عرض عليه استضافته بمنزل في ملكيته بساحة "وْطا الحمَّام" محاذيا لباب السور الذي سيُصبِح عما قريب "مركز الدراسات والأبحاث الأندلسية".


من طرائف إحدى المناسبات التي أكرم فيها الشيخ الضيف، أن كان يحوم ابن مولاي أحمد الريسوني المؤرخ العلامة سيدي علي الريسوني على مائدة الأكل حول الشيخ الهلالي مرددا بلسان لم تستقم مخارج حروفه "حيما...حيما" (تصغيرا للحم) كي يطعمه فأنشأ في الحين بيتين:

 "من كان به رحيما *** فليطعمه حيما"


 "ومن كان له مُقيتا *** فليطعمه حوتا"

 

في مقامه بالحاضرة الراشدية الذي استغرق خمسة أشهر، تواصل الدكتور الهلالي مع أعيان المدينة ووجهائها واختلط بعلمائها وفقهائها بل تزوج من فتاة متحدرة من مدينة وزان (أنجب له بنتا سماها سارة) وشرع يعارض الفقه والعرف السائد ويحاجج في المجالس وعلى الموائد ويلقي دروسا في المسجد الأعظم كان من أشد الناس إقبالا عليها الوطنيين الوجيهين السيدين العياشي العلمي وعبد الله قريش.


لم يتوان الهلالي في دروسه من الطعن في العقيدة الأشعرية والمس بفقهاء المالكية والتحذير من الأعراف السائدة بالمملكة المعتبَرة عنده بدعا وضلالا وألف في مقامه بشفشاون كتابا عنونه "مختصر هدى الخليل في العقائد وعبادة الجليل".


تكررت معاتبة الشيخ الهلالي لقراءة القرآن جَهْرًا قبل صلاة الجمعة بالمسجد الأعظم "جامع الكبير" المطل على ساحة "وْطا الحمَّام" إلى أن صادف به يوم الجمعة 23 صفر 1366 (وفاق 17 يناير 1947) باشا المدينة السيد اليزيد بن صالح الرزيني و نائب قاضي المدينة (نائبا عن الشريف القاضي سيدي الحسن بن أحمد بن الحسين العلمي) السيد الحسن بن الحاج محمد العمارتي خطيب الجمعة أخ محتسب المدينة السيد الحسين ناظر الزاويتين التهامية الوزانية والناصرية بشفشاون.


عند دخوله الجامع نهر الهلالي عموم المصلين وصرخ في وجههم آمرا إياهم باجتناب بدعة القراءة الجماعية للقرآن الكريم.


قام باشا المدينة يوبخ الشيخ الهلالي ويتوعده إن لم يمسك لسانه ويوقف دعوته فرد عليه جهارا "اصمت يا جهول".


قبض على الدكتور الهلالي حينا واقتيد حافي القدمين إلى السجن حيث قضى ثلاث ليال قبل أن يفرج عنه بعد توسط بعض رجالات المدينة الراشدية صبيحة الإثنين الموالي.


تدخل أصحاب النيات الحسنة للإصلاح بين الباشا بن صالح والدكتور الهلالي لكنه تشبث بموقفه وهجاه في قصيدة لا فائدة من ذكرها وغادر مدينة شفشاون يوم خروجه من السجن نحو العاصمة الخليفية مخلفا وراءه تائيته الشهيرة في مدح المدينة والثناء على أهلها والتنويه بإقامته بها في مطلع جاء فيه:

 

  "جزى الله شفشاون بخير ونعمة *** ونجاهم من كل شر ونقمة"


رحل في صيف سنة 1947م نحو العراق وتنقل بين أقطار متعددة عبر العالم العربي والإسلامي إلى أن عاد إلى المملكة المغربية وتحديدا إلى شفشاون سنة 1957م حيث وجد السيد العياشي العلمي باشا وألقى درسا بالمسجد الأعظم افتتحه بالآية الكريمة من سورة القصص {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (5) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما ما كانوا يحذرون(6)}.


ابتداء من سنة 1968م شرع الدكتور الهلالي في التدريس بجامعة محمد الخامس بالرباط ثم بفرعها بمدينة فاس وواصل زيارة شفشاون وإلقاء الدروس بها إلى أن وافته المنية بالدارالبيضاء سنة 1987م.

كتاب "من تاريخ شفشاون" (الجزء الأول)

 

للمؤلف طه بن فاروق الريسوني

 

تصدير: عبد الله ساعف

الشاون بريس/يتبع...






Copyright © 2020 Akhbarpress Mobile V3.9